البعد الغامض في القوة العسكرية الأمريكية! / طلعت رميح

يعتبر التركيز على حركة الجيش الأمريكي "الرسمي" وحده للخروج بخلاصات حول استراتيجيات وخطط وأدوار القوة العسكرية للولايات المتحدة فى العالم ،أمرا من الماضي.

فعند قراءة مثل تلك الحركة العسكرية، لا يجب الاقتصار على النظر لحركة أصحاب البزات العسكرية وأفرع الجيش الأمريكي وعلى دور حاملات الطائرات وأماكن القواعد العسكرية، إذ أن الجيش الأمريكي الرسمي، قد تغيرت تكوينته وتغيرت طرق إنجاز مهامه وخططه، منذ أن تولى رامسفيلد وزارة الدفاع الأمريكية في عام 2001م، إلى درجة يمكن القول معها بأن الجيش الأمريكي لم يعد هو نفسه حين غادر رامسفيلد موقعه كوزير للدفاع.

بلاك ووتر وأخواتها ،صاروا هم أصحاب اليد الطولى في أعمال الجيش الأمريكي حتى بات يطلق عليها - ونظرائها- مصطلح الحارس الإمبراطوري في الحرب على الإرهاب.

وبلاك ووتر صارت تقوم بأدوار في الدول الأخرى، تصل إلى حد تغيير حكومات الدول، ولقد أصبح لديها أسطول ضخم من المروحيات والمدفعية ووحدات طائرات التجسس ووحداتها الاستخبارية الخاصة بها، وصارت تملك أهم مراكز التدريب العسكري لعشرات الآلاف من جنود الدول الأخرى في معسكرات داخل وخارج الولايات المتحدة.

وهى من صار منوطا بها إنجاز العمليات السوداء نيابة عن استخبارات الولايات المتحدة، حتى وصف أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي بلاك ووتر بالقول: باستطاعتها الإطاحة بكثير من حكومات العالم.

والأهم أنها لم تعد تقوم بأدوارها المتضخمة بصفتها شركة أمنية خاصة ،بل هي صارت ذات صفة رسمية، إذ اختار رامسفيلد أيام مغادرته لمهمته كوزير دفاع، للإعلان عن أن نشاط شركات المقاولات الأمنية تلك، صار جزءا من الجيش الأمريكي الرسمي!.

لقد غير رامسفيلد البنية العسكرية للجيش الأمريكي هو خصخص الحروب التي تشنها الولايات المتحدة حول العالم، وهو دمج الشركات الأمنية في بنية ومكون الجيش الأمريكي.

لقد تحرك الرجل بسرعة مذهلة لإحداث هذا التغيير، وبعد عامين من توليه مسئوليته كانت نسبة الجنود الأمريكيين الذين غزوا واحتلوا بغداد – من الجيش الرسمي- تساوى نسبة المقاولين الأمنيين أو أفراد الشركات الأمنية الخاصة على الأرض العراقية (كانت النسبة 1:1 ).وقبل أن يغادر موقعه، كان أصدر قراره الأهم، إذ جعل الشركات الأمنية جزءا رسميا من آلة الحرب الأمريكية أو من الجيش الأمريكي الرسمي ،وهو سبق هذا القرار الخطير والكبير، بقرارات منحت تلك الشركات الحصانة الكاملة من المحاكمة في أى مكان ،لتصبح في مركز حماية أعلى من الجنود النظاميين الأمريكيين أنفسهم!.

لقد تغيرت بنية أو تركيبة الجيش الأمريكي، وقد جاء هذا التغيير مرتبطا بطبيعة الاتجاهات الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة ،إذ التغيير التنظيمي والهيكلي لم يجر كعملية إعادة تنظيم للجيش- لمجرد إعادة الهيكلة لأسباب مالية أو تكنولوجية فقط - بل جاء مرتبطا باستراتيجيات جديدة، لعل أهمها اعتماد وتطبيق خطط واستراتيجيات الفوضى الخلاقة في عموم العالم.

وإذا كان بالإمكان القول ،أن حكم جورج بوش (وديك تشيني وبول وولفويتز ورامسفيلد )، هو من شهد هذا التغيير ،فيمكن القول أيضا، أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما هي الأكثر استفادة وتفعيلا واعتمادا على أدوار تلك القوة الخفية التي أضافها نظام المحافظين الجدد لمنظومة الجيش الأمريكي.

والمتابع فعليا للدور الأمريكي في معركة كوسوفو، وما يجرى الآن في العراق وسوريا - أو في المناطق الكردية وفى مناطق سيطرة تنظيم الدولة - لا يجد أمامه أفعالا وحركة عسكرية من أصحاب البزات العسكرية الأمريكية –اللهم إلا في الأجواء أو في مراكز التدريب-فيما هو يرى الخطط الأمريكية للتقسيم والفوضى جارية وفق الخطط الأمريكية تماما.

ولذا يجب إدراك طبيعة التغيير الذي جرى في تركيبة الجيش الأمريكي وفي طرق إنجاز الأهداف عند قراءة الحركة العسكرية الأمريكية.

والأمر نفسه جار إذا جرى تدقيق النظر في كثير من مناطق العالم، حيث تجري الأعمال الغامضة والمذابح التي لا يعرف من يرتكبها أو أعمال تغيير نظم حكم ديموقراطية أو ما يجري بثه من أفلام مروعة هنا وهناك ..الخ.

لقد تغيرت صورة مشاهد التدخل الأمريكي ، ومن يظل يبحث عن أضواء النجوم المتلألئة على أكتاف وصدور أصحاب البزات العسكرية الأمريكية لن يرى شيئا مما يجرى.

واللافت أن الأمر نفسه بات معتمدا – بطريقة أو بأخرى – في استراتيجيات حركة روسيا، كما يكشف ما جرى ويجري في أوكرانيا!.