لا أحد يعرف بالتحديد ما الذي جرى للإدارة الأميركية في السنوات القليلة الماضية. نعم الجميع كان على علم بأنّ الإدارة تسعى إلى تقليص تواجدها العسكري حول العالم وتخفيف نفقاتها العسكرية وإصلاح الوضع الاقتصادي للبلاد ودفع بعض اللاعبين الإقليميين والدول الصاعدة في مناطق مختلفة من العالم إلى مشاركة الولايات المتّحدة العبء في تحمّل المسؤوليات الأمنيّة والنفقات المالية، وأن هناك مبادرات خاصة تجاه روسيا والصين وإيران ستحصل لتشجيعهم على الانخراط الإيجابي في القضايا الإقليمية والدولية.
لكنّ المشكلة أن أوباما، مسكوناً ربما بهاجس استخدام القوة العمياء من قبل سلفه بوش الابن، قرر اللجوء إلى المقلب الآخر من المعادلة وركن إلى الكلام الدبلوماسي دون أن يقترن بأيّة أفعال، وقد فهمت سياسة أوباما على أنها تعبير عن موقف أميركي ضعيف حول العالم، وأن أوباما غير مستعد ليخوض أيّة «مغامرات» أخرى، مما شجّع السياسات العدائية للعديد من الدول الإقليمية التي رأت في ذلك فرصة لتوسيع مناطق نفوذها وتأثيرها في وقت يشهد فيه النظام العالمي حالة من عدم التوازن.
لقد كان من نتيجة سياسات أوباما أن احتلت روسيا شبه جزيرة القرم وضمتها إلى حدود دولتها، وقامت الصين باستعراض قدراتها العسكرية وتحدّي سيادة جيرانها البحرية والجوية، واستخدم الأسد السلاح الكيماوي ضد شعبه ولا يزال يرتكب المجازر دون أن يواجه أية عواقب (بل تقوم أبرز وسائل الإعلام الأميركية باستضافته)، واحتلت إيران أربع عواصم عربية باعتراف مسؤوليها وهي تستكمل هلالها الشيعي الذي أنكره العالم قبل سنوات ليصبح بدرا ربما قريبا دون أية عقبات جوهرية.
صحيح أن أوباما قرر في بعض هذه الحالات أن يتحرك، لكنّ تحركه كان بعد فوات الأوان، فالعقوبات الأميركية والأوروبية على روسيا لم تعد شبه جزيرة القرم إلى السيادة الأوكرانية، والحقيقة أن هذه الأطراف فرضت عقوبات على بوتن خوفا من أن يضم المزيد، وليس لإعادة شبه جزيرة القرم. بمعنى آخر، فقد سلّموا باحتلال روسيا لشبه جزيرة القرم.
لقد دفعت قرارات أوباما الخاطئة في عدد من الملفات لاسيَّما في الشرق الأوسط العديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين رفيعي المستوى إلى الاستقالة من مناصبهم، لأنّهم رأوا أنه لا يمكن الدفاع عن سياسة أوباما وأنهم أصبحوا غير قادرين حتى على تبريرها للآخرين، ناهيك عما اعتبروه نتائج كارثية لخيارات أوباما في القضايا الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
وفي بعض الحالات لم ينتظر أوباما استقالة المسؤولين فقام بإقالتهم، ويكفي أن نعرف أن ثلاثة وزراء للدفاع قدموا استقالاتهم خلال فترة حكم أوباما حتى الآن (هيجل، روبرت جيتس وليون بانيتا)، أما في وزارة الخارجية، فقد استقال بسبب سياسات أوباما من الملف السوري كل من السفير الأميركي السابق لدى سوريا روبرد فورد، وأيضا الدبلوماسي فريديرك هوف، وكلاهما من العناصر التي خدمت في الملف السوري والعراقي لسنوات طويلة وتعرف طبيعة المعطيات ومتطلبات التعامل معها.
اليوم، لا أحد يفهم بالضبط ما الذي يفكر أوباما فيه عندما يعتمد على إيران وميليشياتها في الشرق الأوسط ويساعدها بشكل مباشر أو غير مباشر على تعزيز نفوذها وتأثيرها في العالم العربي، ويسعى للتوصل معها بأي شكل من الأشكال إلى اتفاق يقول معظم المراقبين حتى الآن إنه سيكون كارثة على الجميع باستثناء إيراني.
والمشكلة أن أوباما أبدى استعداده بشكل غير مسبوق للدخول في كل المعارك الداخلية والخارجية الممكن من أن تأمين هذا الاتفاق، فهو هدد الكونجرس باستخدام الفيتو إن قرروا تشديد العقوبات على إيران، وقال إنه يدرس إمكانية تمرير اتفاق دون موافقة الكونجرس، وتجاهل أيضاً مخاوف ومصالح حلفائه العرب من هذه الصفقة ومن العمل مع إيران وميليشياتها، حتى إنه دخل في معركة مع حليفه الاستراتيجي التاريخي إسرائيل من أجل أن يبرهن أنه ماضٍ في طريقه.
ما الهدف مما يفعله أوباما؟ وكيف يمكن له أن يخدم مصالح أميركا أو حلفائها بأي شكل من الأشكال؟ لا أحد داخل أميركا أو خارجها قادر على ما يبدو على الإجابة على هذا السؤال، لكنّ كثيرين واثقون أن الأمر لا يتعلّق بهذا السؤال أساسا بقدر ما يتعلق بالسيرة الذاتية للرئيس أوباما!!.
كثير من المعنيين (رسميين ومحللين ومتابعين) يقولون إن هدف أوباما هو تحقيق إرث لم يسبقه إليه أحد في السياسة الأميركية، وهو إعادة العلاقات مع إيران. ستكون هذه خطوة غير مسبوقة وستغطي على كل فشله السابق.
إذا كان هذا هو هَم أوباما، فإن ما سيخلّفه سيكون كارثة ليس فقط للرئيس الأميركي القادم وإنما للمنطقة والعالم بأسره، وكما قال دايفيد روثكوبف في مقاله الأخير في «الفورين بوليسي»: «التوجّه المحوري نحو إيران»، فإنه من المحتمل جدا مع مغادرة أوباما للبيت الأبيض، ألا تكون هناك دولة على وجه الأرض استفادت بقدر ما استفادت إيران خلال المرحلة السابقة».?.
هل فقد أوباما عقله؟! / علي حسين باكير
- ملفات سياسية
- 8841 قراءة
- 0 تعليق
- الثلاثاء 03-02-2015 12:44 مساء